ابن حزم

170

الاحكام

اللذان ذكروا فليسا واقعين تحت هذه الجملة التي ذكروا ، بل كل واحد من الحديثين المذكورين فهو مقصود به بيان الحكم والتنظير الصحيح ههنا هو مثل أمره صلى الله عليه وسلم ، بأن يكفن المحرم إذا مات في ثوبيه ، وألا يمس طيبا ولا يغطي وجهه ولا رأسه ، فهذا قصد به بيان حكم العمل في تكفين المحرم ، فهو أولى من منع من ذلك بما روي من قوله صلى الله عليه وسلم : إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاث لان هذا الحديث لم يقصد به بيان حكم عملنا نحن فيمن مات من محرم أو غيره ، وأيضا فحديث النهي عن جلود السباع لا يصح ، ولو صح لكانت إذ دبغت جلودها يجب أن تستثنى من سائر الجلود السبعية التي لم تدبغ ، لان المدبوغة منها أقل من غير المدبوغة . وقالوا : ونرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما باشر الامر الذي حدث به بنفسه وراوي الآخر لم يباشره ، فتكون رواية من باشر أولى ، ومثلوا ذلك بالرواية عن ميمونة : نكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان . وبالرواية عن ابن عباس : نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم . قال علي : وهذا ترجيح صحيح ، لأنا قد تيقنا أن من لم يحضر الخبر إنما نقله غيره ، ولا ندري عمن نقله ، ولا تقوم الحجة بمجهول ، ولا شك في أن كل أحد أعلم بما شاهد من أمر نفسه . قال علي : إلا أن قائل هذا قد نسي نفسه فتناقض ، وهدم ما بنى في قوله نرجح الخبر بأن يكون راويه أضبط وأتقن ، وتركوا ذلك في هذا المكان ، وقد قال الأكابر من أصحاب ابن عباس رحمة الله عليه - إذ حدثوا بحديث ميمونة المذكور وإنما رواه عنها يزيد بن الأصم - فقالوا : كلا لا نترك حديثا حدثناه البحر عبد الله بن العباس لحديث رواه أعرابي بوال على عقبيه . قال علي : فإن كان كون أحد الرواة أعدل واجبا أن نترك له رواية من دونه في العدالة ، فليتركوا ها هنا رواية يزيد بن الأصم لرواية ابن عباس ، فلا خلاف عند من له أدنى مسكة عقل أن البون بين ابن عباس وبين يزيد بن الأصم ، كما بين